البداية من الحجر. حين صمّم إمحوتب هرم زوسر في سقارة، انتقل الإنسان من البناء بالطين إلى الحجر المنحوت على نطاق ضخم. وبعده بنحو قرن شُيّد الهرم الأكبر في الجيزة، الذي ظل أعلى بناء صنعه الإنسان قرابة ثمانية وثلاثين قرنًا، شاهدًا على دقة في القياس والتوجيه ما زالت تدهش المهندسين.
المسؤولية قبل الجمال. في بلاد الرافدين، نصّت شريعة حمورابي على أن البنّاء مسؤول عن سلامة ما يبني، وأن انهيار البيت يُحاسَب عليه من شيّده. الفكرة نفسها نجدها اليوم في قانون المعاملات المدنية الإماراتي، الذي يُلزم المقاول والمهندس بضمان سلامة المبنى عشر سنوات بعد التسليم، فيما يُعرف بالمسؤولية العشرية.
المتانة والمنفعة والجمال. كتب المعماري الروماني فيتروفيوس أن العمارة الجيدة تقوم على ثلاث: أن تكون متينة، ونافعة، وجميلة. وبهذه الروح بنى الرومان قبة البانثيون من الخرسانة، بخلطة تخفّ كلما ارتفعت، فبقيت قائمة إلى يومنا.
هندسة تعرف بيئتها. طوّرت الحضارة الإسلامية الأقواس المدببة والقباب والمقرنصات، فوزّعت الأحمال وأضافت الجمال في آن واحد. وعلى أرض الإمارات، بنى الأجداد بالحجر المرجاني والجص وسعف النخيل، ورفعوا البراجيل لتسحب الهواء البارد إلى البيوت، وحفروا الأفلاج لنقل الماء إلى الواحات، ومن هنا جاء اسم فلج المعلا.
ثورة الخرسانة. في القرن التاسع عشر سجّل جوزيف أسبدن براءة الإسمنت البورتلاندي، ثم أضاف جوزيف مونييه الحديد إلى الخرسانة، فجمع مقاومة الضغط إلى مقاومة الشد. هذا الاختراع هو ما نفحصه اليوم في كل صبّة: سماكة الغطاء الخرساني، وتوزيع حديد التسليح، وقوام الخلطة، ودرجة حرارتها.
وماذا تغيّر؟ الأدوات تغيّرت، من الحبال والأوتاد إلى أجهزة المساحة الرقمية ونمذجة المباني، لكن السؤال بقي كما هو منذ حمورابي: من يضمن أن ما بُني آمن ويدوم؟ هذا هو دور الاستشاري الهندسي، وهذه هي المسؤولية التي نوقّع عليها في توازن.